عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

59

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

وأحوال هذا الصنف من عشّاق مجرد الجسم معلومة ولا حاجة بنا إلى الإطناب في وصف أحوالهم . [ القسم الثاني : قوم وصلوا من طريق الحسّ ثم بلغوا إلى إدراك العقل ] فصل : وأما القسم الثاني من أقسام المحبّين وهم الذين وصلوا إلى المحبة من طريق الحسّ ثم بعد ذلك بلغوا إلى إدراك العقل ولم يقفوا مع عالم الخيال بل جاوزوه ، وهم الأكثر من خواصّ السالكين ، فمحبوب هذا الصنف الجمال المعلّق بمحلّه ، ثم بعد الإمعان في المعرفة يجرّدونه عن محلّه ، وذلك أن البصر إذا ودّى الصورة الحسيّة إلى الخيال على ما هي عليه من العلائق الجسمية يجرّدها الفكر عن العوارض الغريبة وينقل أرواح معانيها إلى النفس فتلتذّ بها إذ ذاك ، ولكن لا تكتفي بما حصل فيها من هذه الصورة الروحانية بل تطلب كمال المعنى الذي أدركته من محبوبها من الخارج بطريق البصر ، ولا ينقطع هذا الطلب عنها ما لم يحصل لها الاتحاد بالصورة . وهذه المحبة وسط بين الطرفين ، فهي شريفة من حيث حصول حقائقها في النفس والتذاذ النفس بها لذّة هي أعظم من لذّة قوى البدن ، وكثيرا ما تفضي إلى ذوق الصنف الثالث ، وهي أيضا ناقصة من حيث أنها متعلقة بشخص معيّن مقصورة عليه تزيد لذّتها بحضوره وتنقص بغيبته ، والنفس غير متكيّفة بما حصل فيها من المعنى المدرك ، كما قيل : [ من الرمل ] شربت الحبّ كأسا بعد كأس * فما نفد الشراب وما رويت ولهذه المحبة شروط وعلامات : فمن علاماتها إيثار المحبوب على ما سواه ، فإنّه لو علم أن في العالم من هو أكمل من محبوبه صفة أو أتمّ محاسنا لصرف عنان محبّته إليه . ويلزم عنها أيضا فراغ القلب مما سوى المحبوب وبذل النفس في جانب محبته ، فلا يبقى فيه للغير شيء ولا لنفسه أيضا ، بل يكون إقباله عليه بالكلية ، وهذا هو حال الجمع والحضور ، كما قيل : [ من الوافر ] أحبّك لا ببعضي بل بكلّي * وإن لم يبق حبّك لي حراكا ويقبح من سواك الفعل عندي * فتفعله فيحسن منك ذاكا

--> - غالب كان معاصرا لأبي تمام ( المولود سنة 188 ه - والمتوفّى سنة 249 ه ) .